أحمد بن يحيى العمري

32

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

ومنهم : 12 - أبو بكر بن دريد « 13 » وهو محمد بن الحسن بن دريد بن عتاهية بن حنتم الأزدي اللغوي البصري . رجل كلامه يداوي المغيظ ، وكرمه يفرج اللظيظ « 1 » ، وعلمه يعلّم الجهول ، ويفهّم الذهول ، ويعرّف بلسان العرب من جهله ، ويرد بإحسان الطلب منهله ، بفطن أذابت ما جمد من الألباب ، وأذكت ما خمد من الالتهاب ، ففتّقت كمام الأفهام ، ودفقت جمام الإبهام ، فأبدت دقائق العلم وبينت فيه شرفه المخول المعم ، فمدّت إليه وهو أخفى من مدارج النمال ، وأسرع تغيرا من مناهج الرمال ، فأضرب كل ضريب عن مداناته ، ولم يحمل فهمه السقيم قدر مداواته . قال المسعودي : كان ابن دريد ببغداد ممن برع في زماننا هذا في الشعر وانتهى في اللغة ، فقام مقام الخليل بن أحمد فيها ، وكان يذهب إلى الشعر كل مذهب ، فطورا يجزل وطورا يرق ، وشعره أكثر من أن نحصيه أو نأتي على أكثره ، ومن جيّد شعره مقصورته الفائقة . قال : وقد عارضه فيها جماعة من الشعراء ، منهم أبو القاسم بن أبي الفهم الأنطاكي . ومن ملح شعره : [ الكامل ] غرّاء لو جلت الخدور شعاعها * للشمس عند طلوعها لم تشرق غصن على دعص تأوّه فوقه * قمر تألّق تحت ليل مطبق لو قيل للحسن احتكم من بعدها * أو قيل خاطب غيرها لم ينطق وكأننا من فرقها في مغرب * وكأننا من وجهها في مشرق تبدو فيهتف في العيون ضياؤها * الويل حلّ بمقلة لم تطبق « 2 »

--> ( 13 ) ترجمته في : تاريخ العلماء النحويين 225 ، وإنباه الرواة 3 / 92 ، ونزهة الألباء 191 ، وبغية الوعاة 1 / 76 ، ومعجم المؤلفين 9 / 189 ، والأعلام 6 / 310 . توفي سنة 321 ه . ( 1 ) اللظيظ : الإلحاح . اللسان ( لظّ ) 12 / 286 . ( 2 ) مروج الذهب للمسعودي 4 / 228 ، وينظر : وفيات الأعيان 4 / 323 .